صفي الرحمان مباركفوري

58

الرحيق المختوم

قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد ذكر مجيء الوحي : « ولم يكن من خلق اللّه أبغض على من شاعر أو مجنون ، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما ، قال : قلت : إن الأبعد - يعني نفسه - شاعر أو مجنون إلا تحدث بها عني قريش أبدا ! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها ، فلأستريحن ! قال : فخرجت أريد ذلك ، حتى إذا كنت في وسط الجبل سمعت صوتا من السماء يقول : يا محمد ! ! أنت رسول اللّه ، وأنا جبريل ، قال : فرفعت رأسي إلى السماء ، فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول : يا محمد ! أنت رسول اللّه وأنا جبريل . قال : فوقفت أنظر إليه ، وشغلني ذلك عما أردت ، فما أتقدم وما أتأخر ، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك ، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ، ولا أرجع ورائي ، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي ، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مقامي ، ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي « 1 » حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا إليها - ملتصقا بها مائلا إليها - فقالت : يا أبا القاسم ! أين كنت ؟ فو اللّه لقد بعثت في طلبك حتى بلغوا مكة ورجعوا إليّ ، ثم حدثتها بالذي رأيت ، فقالت : أبشر يا ابن عم ، وأثبت ، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة « 2 » ، ثم قامت فانطلقت إلى ورقة وأخبرته . فقال : قدوس قدوس ، والذي نفس ورقة بيده لقد جاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، وإنه لنبي هذه الأمة ، فقولي له : فليثبت ، فرجعت خديجة وأخبرته بقول ورقة ، فلما قضى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جواره وانصرف - إلى مكة - لقيه ورقة ، وقال بعد أن سمع منه خبره : والذي نفسي بيده ، إنك لنبي هذه الأمة ، ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء موسى » « 3 » . فترة الوحي أما مدة فترة الوحي فروى ابن سعد عن ابن عباس ما يفيد أنها كانت أياما « 4 » وهذا الذي يترجح بل يتعين بعد إدارة النظر في جميع الجوانب . وأما ما اشتهر من أنها دامت طيلة ثلاثة سنين أو سنتين ونصف فلا يصح بحال ، وليس هذا موضع التفصيل في رده . وقد بقي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أيام الفترة كئيبا محزونا ، تعتريه الحيرة والدهشة ، فقد روى البخاري في كتاب التعبير ما نصه :

--> ( 1 ) نص الطبري 2 / 207 . ( 2 ) نص ابن هشام 1 / 237 - 238 . ( 3 ) ملخص من ابن هشام 1 / 238 . ( 4 ) فتح الباري 1 / 27 ، 12 / 360 .